ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

144

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

الوجه السادس والأربعون : أنه سبحانه بين لعباده بأنه يبين لهم غاية البيان ، وأمر رسوله بالبيان . وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبين للناس ولهذا قال الزهري : « من اللّه البيان وعلي الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم » ؛ فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده ، أو المعنى وحده ، أو اللفظ المعنى جميعا . ولا يجوز أن يكون المراد بيان اللفظ دون المعنى ، فإن هذا لا فائدة فيه ، ولا يحصل به مقصود الرسالة . وبيان المعنى وحده بدون دليله ، وهو اللفظ الدال عليه ، ممتنع ، فعلم قطعا أن المراد بيان اللفظ والمعنى ، فكما نقطع ونعلم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين اللفظ فكذلك نتيقن أنه بين المعنى ، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ وهذا هو الذي ينبغي ، فإن المعنى هو المقصود ، وأما اللفظ فوسيلة إليه ، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود ؟ وكيف يتيقن بيانه للوسيلة ولا يتيقن بيانه للمقصود ؟ وهل هذا إلا من أبين المحال فإن جاز عليه أن لا يبين المراد من ألفاظ القرآن ، جاز أن لا يبين بعض ألفاظه . فلو كان المراد منها خلاف حقائقها وظواهرها دون مدلولاتها - وقد كتمه عن الأمة ولم يبينه لها . كان ذلك قدحا في رسالته وعصمته ، وفتحا للزنادقة من الرافضة وغيرهم باب كتمان بعض ما أنزل اللّه ، وهذا مناف للإيمان به وبرسالته ، يوضحه : ( الرد على من قال : أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ) الوجه السابع والأربعون : إن القائل بأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ، إما أن يقول : إنها تفيد ظنا أو لا تفيد علما ولا ظنا . فإن قال : لا تفيد علما ولا ظنا فهو مع مكابرته للعقل والسمع والفطرة الإنسانية من أعظم الناس كفرا وإلحادا . وإن قال : بل تفيد ظنا غالبا وإن لم تفد يقينا ، قيل له : فاللّه تعالى قد ذم الظن المجرد وأهله ، فقال تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فأخبر أن الظن لا يوافق الحق ولا يطابقه ، وقال تعالي : إِنْ